Loading...
Loading...

تتطرق نايلة الصليبي في"النشرة الرقمية" إلى نشر الفيلق السابع الأوكراني للردّ السريع مقطعاً مصوراً، أظهر لأول مرة في التاريخ العسكري الحديث جنوداً يرتدون هياكل خارجية آلية،" الإكزوسكيليتون"، وهو أول توثيق علني لاستخدام هذه التقنية في بيئة قتالية حقيقية .فما هي هذه التكنولوجيا وما هو دور الذكاء الاصطناعي في دعمها؟
لطالما ظلّت فكرة "الجندي الخارق" ضمن أفلام الخيال العلمي ومختبرات البحوث العسكرية السرية. لكن في العشرين من مارس 2026، نشر الفيلق السابع الأوكراني للردّ السريع مقطعاً مصوراً عبر منصة تيليغرام، أظهر لأول مرة في التاريخ العسكري الحديث جنوداً يرتدون هياكل خارجية آلية،" الإكزوسكيليتون"، في بيئة قتال حقيقية، لا في ميادين تدريب مغلقة.
لم تكن اللقطات دعائية بل كانت توثيقاً ميدانياً: عناصر من اللواء 147 للمدفعية يحملون قذائف مدفعية ثقيلة ويحمّلونها على مدافع الهاوتزر "سيزار" الفرنسية ذاتية الدفع، وعلى ظهور كلٍّ منهم هيكل خارجي يُعيد توزيع الأحمال ويخفف الضغط عن عضلاتهم. ما يُؤذن بميلاد مرحلة جديدة في تطور أسلوب الحرب البرية.
لفهم دوافع هذا التوظيف، لا بد من استيعاب الواقع الجسدي القاسي الذي يعيشه جندي المدفعية الأوكراني يومياً. يكشف العقيد فيتالي سيرديوك، نائب قائد الفيلق السابع، أن المدفعيين يتولّون يومياً نقل ما بين خمس عشرة وثلاثين قذيفة، يبلغ وزن كل منها خمسين كيلوغراماً، في ظروف ميدانية ضاغطة. ما يعني أن المقاتل ينقل يوميا ما بين خمس عشرة وثلاثين قذيفة، تبلغ وزن كل منها خمسون كيلوغراما، وهو عبء جسدي هائل ينهك المقاتل قبل أن تبدأ المعركة. وأضاف أن هذه التقنية تهدف بشكل أساسي إلى حماية سلامة الجنود ورفع كفاءتهم في الميدان.
هذا الإرهاق التراكمي ليس مجرد إزعاج جسدي؛ إنه يُضعف الأداء القتالي، ويرفع معدلات إصابات العمود الفقري والمفاصل، ويُقصّر عمر الجندي الميداني الفعلي. بهذا المنطق، جاء توظيف "الإكزوسكيليتون" استجابةً عملية مباشرة لضرورة ميدانية، لا مجرد تجربة تقنية .
ما يلفت النظر في هذه الهياكل الأوكرانية أنها تكسر المعادلة التقليدية بين القوة والثقل. فعلى الرغم من قدرتها على إسناد أحمال ثقيلة، لا يتجاوز وزن الهيكل الواحد كيلوغرامين، وهو قابل للطي بحيث يُحشى داخل حقيبة يد عادية ، وهو ما يجعله متوافقاً مع متطلبات الحركة السريعة والانتشار الميداني.
من الناحية الهندسية، يُثبَّت الجهاز حول الخصر والساقين، ويمتد من خلف ظهر المستخدم حتى الركبتين، ويعتمد على محركَين دوّارَين عند مفصل الورك يعملان بوصفهما مفصلين ميكانيكيين للحركة. والنتيجة وفق البيانات العسكرية الأوكرانية: تخفيف الحمل الواقع على عضلات الساقين بنسبة تصل إلى 30%، مع رفع سرعة التنقل إلى تسعة عشر كيلومتراً في الساعة، ولمسافات تبلغ ستة عشر كيلومتراً.
تتجاوز هذه الأجهزة حدود الدعامة الصلبة التقليدية إلى منظومة ذكية متكاملة. فكل هيكل مزوّد بنظام ذكاء اصطناعي يعمل في الزمن الآني، يتكيّف لحظةً بلحظة مع طبيعة الحمل الواقع على العمود الفقري والساقين، دون تدخل من المستخدم.
بالإضافة إلى ذلك، تدعم هذه المنظومة عشرة أوضاع تشغيل مختلفة، تمنح المقاتل مرونة عالية في ضبط أداء الجهاز وفق طبيعة كل مهمة، سواء أكانت نقل ذخيرة ثقيلة، أم التنقل السريع عبر تضاريس وعرة، أم الثبات خلال عمليات التحميل والتصويب. هذا التكيّف الآني هو ما يُميّز جيل "الإكزوسكيليتون" الجديد عن النماذج السابقة التي كانت تُقدّم دعماً ثابتاً وغير مرن.
لم تنطلق أوكرانيا في هذا المجال من فراغ، إذ سبقتها الولايات المتحدة إلى تطوير أنظمة مشابهة، أبرزها نظام "سابر" (SABER) الذي طورته القوات البرية الأمريكية على هيئة بدلة ناعمة مُصمَّمة لتخفيف الضغط عن العمود الفقري، فضلاً عن نظام "أونيكس" (ONYX) الذي طوّرته شركة لوكهيد مارتن، ويغطي الجزء السفلي من الجسم بمحركات عند الركبتين.
غير أن نظام "أونيكس" لم يُدمج بعد ضمن التجهيزات المعتمدة للجيش الأمريكي، مما يجعل التجربة الأوكرانية فريدة من نوعها على المستوى العالمي، فهي المرة الأولى التي يُوظَّف فيها "الإكزوسكيليتون" في حرب نظامية فعلية، لا في مناورات محاكاة. وهو ما دفع موقع "بيزنس إنسايدر" إلى وصف هذه التقنية بأنها قد تُشكّل ركيزةً أساسية في منظومات التسليح لدى جيوش العالم في المستقبل القريب.
قبل أن يصل "الإكزوسكيليتون" إلى ساحة المعركة، قطع شوطاً طويلاً في ميادين مدنية متعددة أثبتت جدارته التشغيلية.على سبيل المثال : في المجال الطبي، تُستخدم هذه الهياكل في إعادة التأهيل الحركي لمرضى السكتة الدماغية وإصابات الحبل الشوكي، إذ تُحفّز الحركة المتكررة وتُعيد تنظيم المسارات العصبية وتُتيح للمرضى استعادة القدرة على المشي تدريجياً. كما تجد هذه الأجهزة تطبيقاً في دعم الأطفال المصابين بالشلل الدماغي، وتخفيف الإجهاد عن الطواقم التمريضية أثناء رفع المرضى، وحماية وضعية الجراحين خلال العمليات المطوّلة.
أما على الصعيد الصناعي، فتنتشر هذه الأجهزة في خطوط التجميع والمستودعات اللوجستية وورش البناء، حيث أسهمت في تقليص إصابات العمود الفقري الناجمة عن رفع الأثقال والمهام المتكررة. وتوجد كذلك نماذج استهلاكية مخصصة لهواة الرياضات الجبلية كالتزلج والمشي وتسلق الجبال، تعمل على تخفيف الضغط عن المفاصل وإطالة مدة النشاط البدني.
يُشير الفيلق السابع صراحةً إلى أن الأجهزة المستخدمة لا تزال في طور النماذج الأولية التجريبية، في انتظار تقييم شامل لفاعليتها قبل اعتمادها على نطاق أوسع. وهو تحفّظ مشروع يعكس عقلانية في إدارة التوقعات.
غير أن المغزى الاستراتيجي لهذه الخطوة يتجاوز الجانب التقني البحت. فلأول مرة تُكسر الفجوة بين مختبر البحوث وخندق القتال، ويُثبت "الإكزوسكيليتون" أنه منظومة إسناد قتالي قادرة على رفع الكفاءة الميدانية وحماية سلامة المقاتل في آنٍ واحد. وإذا نجحت التجربة الأوكرانية في اجتياز مرحلة التقييم، فإن جيوش العالم لن تتأخر في إدراج هذه التكنولوجيا ضمن معادلة "جندي المستقبل" الذي يدمج القوة البشرية بالذكاء الآلي في منظومة واحدة لا تعرف الإرهاق.
يمكن الاستماع لـ "بودكاست النشرة الرقمية" على مختلف منصات البودكاست. الرابط للبودكاست على منصة أبل
للتواصل مع نايلة الصليبي عبر صفحة برنامَج"النشرة الرقمية"من مونت كارلو الدولية على لينكد إن وعلى تويتر salibi@ وعلى ماستودون وبلوسكاي عبر موقع مونت كارلو الدولية مع تحيات نايلة الصليبي
No transcript available for this episode.