Loading...
Loading...

كم من امرأة في محيطنا، تستيقظ قبل الجميع، وتنام بعد الجميع، ثم يقال عنها إنها "لا تعمل"؟
وكم من امرأة تقضي يومها بين الطبخ والتنظيف والترتيب ورعاية الأطفال والاهتمام بكبار السن ومتابعة تفاصيل البيت الصغيرة والكبيرة، ثم لا يظهر لهذا الجهد أي أثر في الحسابات ولا في الإحصاءات ولا حتى في الوعي الجماعي؟ حين يُسأَل أبناؤها أو زوجها، يردون: "أمي لا تعمل". "زوجتي تبقى في البيت".
العمل المنزلي ليس تفصيلا ثانويا. ليس "مساعدة" ولا هو "واجب طبيعي" مفروض على النساء بحكم طبيعتهن البيولوجية أو دورهن الاجتماعي العادي. إنه عمل حقيقي، يومي، مرهق، ومنتج، بدون عطل ولا فترات راحة. بفضله تستمر الأسرة، ويرتاح أفرادها، ويتمكن الآخرون من الخروج إلى وظائفهم ومتابعة دراستهم وبناء مساراتهم المهنية. وبفضله أيضا تتراكم الممتلكات، ويستقر البيت، وتُصان الحياة اليومية من الانهيار.
لكن المشكلة أن هذا العمل يظل غير مرئي. لا أجرة له، لا اعترافا كافيا به، ولا قيمة مادية واضحة في نظر كثيرين. وحين يحدث خلاف أو طلاق مثلا، يُحتسب كل شيء تقريبا، إلا سنوات الخدمة اليومية التي بذلتها المرأة داخل البيت. كأن وقتها بلا قيمة، وكأن تعبها مجاني، وكأن مساهمتها في بناء استقرار الأسرة لا تستحق التقدير.
لهذا، فإن المطالبة بالتقييم المادي للعمل المنزلي ليست مبالغة، وليست حربا ضد الأسرة، بل هي دفاع عن العدالة داخل الأسرة نفسها. لأن الإنصاف يبدأ من الاعتراف. والاعتراف الحقيقي لا يكون فقط بكلمات الشكر، بل أيضا بفهم أن هذا الجهد ينتج قيمة اقتصادية واجتماعية حقيقية.
حين نقلل من قيمة العمل المنزلي، فنحن لا نظلم النساء فقط، بل نظلم الحقيقة نفسها: لولا هذا العمل غير المرئي، لما قامت بيوت كثيرة أصلا، ولا تراكمت ممتلكات، ولا استمرت حياة أسر كاملة بهذا القدر من الاستقرار.
No transcript available for this episode.